عبد الملك الجويني
396
نهاية المطلب في دراية المذهب
به ، فالمعين معني بالفرض ، وفرض الكفاية معني بالتحصيل . ثم إذا قام به من فيه كفاية ، سقط الفرض عن الكافة ، فإن تعطل حَرِج بتعطيله المطالبون به ، والقول في ذلك يطول ، ولكنا نذكر مقداراً مقنعاً ، فلا تعويل على قول من يتكلم بما لا يحيط بحقيقته . فنقول : إذا تعطل فرض كفاية في قُطْر حَرِج أهلُ الخِطة ، وليس هذا مذهباً لذي مذهب ، ولكني ذكرت ما يتفاوض به الأغبياء ، حتى أعقبه بذكر الحق ، فإذا عُطِّل فرضٌ من فروض الكفاية ، حَرِج بتعطيله المطالَبون بالبحث عنه ، فينال الحرج الخبير ( 1 ) ، ثم يتعدى منه ؛ من جهة ترك البحث إلى أهل الحارة ، ويختلف هذا بكبر البلدة ، وصغرها ، وإذا بلغ تعطيل فروض الكفايات مبلغاً تتقاذف السمعة بها إلى البلاد ، فعليهم أن يسعَوْا في التدارك . فإن لم يفعلوا نالهم الحرج ، وهكذا على التدريج الذي ذكرناه إلى أن يعم الخِطة ، ولا يتحقق هذا بفرض وفروضٍ معدودة . وحقُّنا الاقتصارُ على التنبيه . 11277 - ثم قال المستقلّون بالعلوم الكلية : ينبغي أن يكون . أرباب القيام بفروض الكفاية على التبادر إليها ، لا على التواكل فيها ؛ فإن ذلك يجرّ التعطيل لا محالة . ومما لا نجد بُدّاً من ذكره في ذلك أنه لو قام بفرضٍ جمعٌ ، والفرض كان يسقط ببعضهم ، فلكلّهم مقام القيام بالفرض ، فإنهم اشتركوا أولاً في الصلاح لها ، ويشتركون آخراً في الحرج لو تعطل على التدريج الذي ذكرناه ، فإذا لابسوه ، لم يكن البعض منهم أولى بالاتصاف بإقامة الفرض . نعم ، وقد تعرض مسائل فقهية مرّت مستقصاة في مواضعها ، ونحن لا نكتفي بالإشارة إليها : منها أنه لو صلى على الميت جمعٌ وقَضوا الصلاة ، ثم صلى جمع آخر ، فإذا لم نمنع ذلك ، فالوجه أن نجعلهم بمثابة المقارنين الأولين في الصلاة ؛ فإن التنفل بصلاة
--> ( 1 ) كذا قرأناها على استكراه . وهي صحيحة - إن شاء الله - فقد وجدناها في عبارة الغزالي ، إذ يقول : " فمن لا اطلاع له عليه ، وهو معذور في ترك البحث لا يحرج ، فيأثم به الخبير ، ويتعدى منه إلى أهل الحارة ممن ترك البحث " . والمعنى يأثم من خبر وعرف ، ثم يليه من ترك البحث وقصّر في عدم المعرفة . ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 151 شمال ) .